منذ إطلاق رؤية المملكة العربية السعودية 2030، لم تعد الحوكمة في الجهات الحكومية خيار تحسيني، بل ركيزة استراتيجية لا يقوم بدونها التحول الوطني. والملاحَظ في المشهد الحكومي اليوم تسرع واضح في تبني مفاهيم الحوكمة، لكن الفجوة بين التبني الشكلي والتطبيق الجوهري لا تزال واسعة في كثير من الجهات. نستعرض في هذا المقال الأطر والمعايير التي تحدث فارقاً فعلياً في أداء الجهات الحكومية ومساءلته، وأين تقف الجهة الحكومية اليوم من متطلبات التحول المتسارع. فريق مجموعة طويق للاستشارات يرافق جهات حكومية سعودية متعددة في بناء هذه المنظومة من التشخيص إلى التطبيق.
ما المقصود بالحكومة في الجهات الحكومية؟ وأين يكمن الالتباس؟
الحوكمة في الجهات الحكومية منظومة متكاملة من السياسات والهياكل والآليات التي تضمن توجيه الجهة نحو أهدافها الاستراتيجية، وترشيد استخدام مواردها، وتعزيز ثقة المستفيدين وأصحاب المصلحة، مع إيجاد بيئة واضحة للمساءلة على النتائج. الالتباس الأكثر شيوعاً هو أن تُطابق الجهة بين الحوكمة وأحد مكوناتها فقط، فتظن أن إصدار اللوائح الداخلية أو وجود وحدة رقابية يعني اكتمال المنظومة. الحوكمة الفعلية تجيب في آنٍ واحد على أربعة أسئلة:
- من يتخذ القرار؟ وضوح الصلاحيات والتفويضات.
- كيف يتخذ القرار؟ آليات العمل والشفافية.
- ما النتائج المتوقعة؟ مؤشرات الأداء والأهداف.
- من يحاسب على ماذا؟ منظومة المساءلة والتقييم.
السياق السعودي: حوكمة في خضم التحول
رؤية 2030 بوصفها محركاً للحوكمة
رؤية 2030 لم تطلب من الجهات الحكومية أن تعمل بشكل أفضل فحسب، بل طلبت منها أن تتحول جوهرياً في طريقة عملها. هذا التحول يستحيل بلا حوكمة متينة، لأنها الآلية التي تترجم الاستراتيجية الكبرى إلى قرارات يومية وسلوك مؤسسي.
قياس الأداء عبر المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة “أداء”
المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة “أداء” هو الجهة الحكومية المستقلة المسؤولة عن قياس أداء الجهات العامة في المملكة، تأسس عام 2015 بقرار من مجلس الوزراء، ويرتبط تنظيمياً برئاسة مجلس الوزراء. يقيس المركز ثلاثة أبعاد رئيسية: مدى تحقيق الجهة لأهدافها ومستهدفات، ومستوى تقدم مبادراتها المرتبطة برؤية 2030، ورضا المستفيدين عن جودة خدماتها، ثم يرفع تقارير ربع سنوية إلى مجلس إدارته الذي يعتمدها ويرفعها إلى رئيس مجلس الوزراء. هذا ما يجعل الحوكمة في الجهة الحكومية مطلباً مرتبطاً مباشرة بالمساءلة الفعلية، لا توصيفاً نظرياً فقط.
منظومة الرقابة والمساءلة: نزاهة والديوان العام للمحاسبة
تمثل هيئة الرقابة ومكافحة الفساد “نزاهة” والديوان العام للمحاسبة العمود الفقري لمنظومة الرقابة الخارجية على الجهات الحكومية. نزاهة، التي أُنشئت بأمر ملكي سنة 1432هـ وضُمت إليها هيئة الرقابة والتحقيق والمباحث الإدارية سنة 2019، ضبطت خلال عام 2024 وحده 1708 متهماً بجرائم فساد واستغلال نفوذ وغسل أموال، بعد تنفيذ أكثر من 37 ألف جولة رقابية و4 آلاف تحقيق. وتعكس هذه الجهود تحسناً ملموساً في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، حيث سجلت السعودية 59 نقطة من 100 في نسخة 2024، واحتلت المركز 38 عالمياً يتقدم 7 مراكز عن العام السابق، والمركز الثاني عربياً بعد الإمارات. كما تولت نزاهة في 2025 رئاسة شبكة العمليات العالمية لسلطات إنفاذ القانون المعنية بمكافحة الفساد، وهي مبادرة سعودية الأصل اعتمدتها الأمم المتحدة رسمياً سنة 2021.
أما الديوان العام للمحاسبة الذي يحمل هذا الاسم منذ 2019 بعد أن كان يُعرف لنحو 65 عاماً بـ“ديوان المراقبة العامة”، يرتبط مباشرة بالملك ويتولى الرقابة اللاحقة على إيرادات الدولة ومصروفاتها، ومراجعة القوائم المالية الموحدة للحكومة في ظل التحول إلى المحاسبة على أساس الاستحقاق المتوافق مع رؤية 2030. ويشارك الديوان في قيادة المنظمات الدولية و العربية للأجهزة العليا للرقابة المالية (الإنتوساي و الأرابوساي)، وهو ما يعكس انخراطاً فعلياً في المعايير الدولية للرقابة الحكومية، لا تبنياً شكلياً فقط.
أطر الحوكمة الحكومية: المرجعيات الدولية وتكييفها محلياً
تعتمد الجهات الحكومية حول العالم على مجموعة من الأطر المرجعية المُثبتة، وعملنا المحلي يقوم على تكييف هذه الأطر لتلائم السياق السعودي بدلاً من نقلها حرفياً.
إطار COSO للرقابة الداخلية
يُعدّ إطار COSO الأكثر تطبيقاً في منظومة الرقابة الداخلية للجهات الحكومية، ويقوم على خمسة مكونات:
| المضمون في البيئة الحكومية | المكوّن |
| قيم القيادة ونبرة الإدارة العليا تجاه النزاهة | بيئة الرقابة |
| تحديد المخاطر التي قد تعيق تحقيق الأهداف | تقييم المخاطر |
| السياسات والإجراءات والفصل بين المهام | أنشطة الرقابة |
| تدفق المعلومات الصحيحة للأشخاص المناسبين | المعلومات والتواصل |
| التقييم المستمر لفاعلية منظومة الرقابة | أنشطة المراقبة |
معايير INTOSAI GOV ودورها في السياق السعودي
تصدر المنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة (INTOSAI) معايير متخصصة للحوكمة والرقابة في القطاع الحكومي، وهي المرجعية التي يعتمدها الديوان العام للمحاسبة بصفته الجهاز الأعلى للرقابة المالية في المملكة وعضواً قيادياً في المنظمتين الدولية و العربية للأجهزة العليا للرقابة.
نموذج خطوط الدفاع الثلاثة في البيئة الحكومية
| الدور | الجهة المسؤولة | خط الدفاع |
| تملّك المخاطر وإدارتها يومياً | وحدات العمل التشغيلية | الأول |
| وضع الأطر ومراقبة التطبيق | وحدة المخاطر والامتثال | الثاني |
| تقييم مستقل لمجلس القيادة | التدقيق الداخلي | الثالث |
معايير الأداء: كيف تقيس ما لا تراه؟
أحد أصعب التحديات في الحوكمة الحكومية هو قياس الأداء المؤسسي بطريقة معبّرة وعادلة، في الجهات الحكومية لا تعمل لتحقيق ربح، بل لتقديم خدمة وتحقيق أثر، وهذا يستلزم منظومة قياس مختلفة جوهرياً عن تلك المعتمدة في القطاع الخاص.
المستويات الثلاثة لقياس الأداء الحكومي
- الكفاءة التشغيلية: هل تُنجز الجهة مهامها في الوقت المحدد، وتستخدم مواردها البشرية والمالية والاقتصادية وفاعلية؟
- جودة الخدمة والرضا: هل تجربة المستفيد إيجابية، وتُحسم الشكاوى في مدة معقولة عبر قنوات رقمية فاعلة؟
- الأثر الاستراتيجي: وهو الأصعب والأهم، هل تُحدث الجهة أثراً فعلياً في مؤشرات رؤية 2030 المرتبطة بقطاع؟
الخطأ الشائع في بناء مؤشرات الأداء
نرى في عملنا ميلاً نحو بناء مؤشرات كثيرة تقيس النشاط لا النتائج. الجهة التي تُدرج “عدد الاجتماعات المنعقدة” أو “عدد الدورات التدريبية المنفّذة” ضمن مؤشرات أدائها الرئيسية تقيس جهدها، لا أثرها. المؤشر الجيد يجيب دائماً على: ماذا تغيّر في الواقع بسبب ما فعلناه؟
المساءلة: الركيزة الأكثر حساسية والأقل تطبيقاً
إن سألنا عن الركيزة الأضعف في منظومة الحوكمة الحكومية في السياق المحلي، فالإجابة في الغالب واحدة: المساءلة الفعلية على النتائج. ليس لغياب الأنظمة، في المنظومة التنظيمية في المملكة تتضمن آليات مساءلة متعددة، لكن التطبيق الفعلي كثيراً ما يصطدم بعوامل ثقافية ومؤسسية تُضعف أثره. منظومة المساءلة الفعّالة تقوم على أربعة عناصر:
- وضوح عقود الأداء: يوقّع كل مسؤول على أهداف قابلة للقياس، ويُربط تقييمه وترقية بمدى تحقيقها، لا بمدة الخدمة أو العلاقات الشخصية.
- استقلالية التدقيق الداخلي: وحدة التدقيق التي ترفع إلى المسؤول الذي تُدققه لن تؤدي دورها، فى الاستقلالية الوظيفية تعني الرفع المباشر لأعلى مستوى قيادي.
- معالجة الملاحظات الرقابية: التقارير الرقابية لا قيمة لها إن لم يُتابَع تنفيذ توصياتها دورة تلو دورة حتى الإغلاق الفعلي.
- ثقافة الإبلاغ: المنظومة التي يخشى فيها الموظف الإبلاغ عن مخالفة هي منظومة لا ترى نفسها، وقنوات التبليغ المحمية مكوّن حوكمي أساسي لا ترف.
تحديات الحوكمة الحكومية: تشخيص ما يعيق الوصول
بناءً على تجربتنا في العمل مع جهات حكومية سعودية متنوعة، رصدنا أنماطاً متكررة من التحديات:
- الهيكل التنظيمي المُعيق: ازدواجية في الصلاحيات وغموض في حدود الأدوار يُضعف قدرة الجهة على الأداء ويُصعّب المساءلة.
- التوثيق وتكنولوجيا المعلومات: الجهات التي تعمل على أنظمة منفصلة وبيانات غير متكاملة لا تستطيع بناء حوكمة فعلية لأنها لا تعرف ما يحدث فعلاً.
- ثقافة الامتثال الشكلي: “الحوكمة على الورق” شائعة، حيث تُعتمد السياسات وتُنجز التقارير دون أن يتغير السلوك الفعلي.
- استدامة التحول: مبادرات حوكمة طموحة تتراجع مع تغيير القيادة أو انتهاء برنامج التحول، لأن الحوكمة المستدامة تحتاج تأسيساً مؤسسياً يتجاوز شخص القائد.
مؤشرات النضج المؤسسي: أين تقف جهتك؟
نستخدم في عملنا نموذجاً لتقييم نضج الحوكمة في الجهات الحكومية يتدرج عبر خمسة مستويات:
| العلامات الكاشفة | الوصف | المستوى |
| اعتماد شبه كامل على القيادة الفردية | لا أطر واضحة والقرارات مركزية | الأول: البدائي |
| فجوة واضحة بين اللوائح والسلوك | سياسات مكتوبة غير مطبّقة منتظماً | الثاني: المُطوَّر |
| أداء جيد في بعض الوحدات وضعيف في أخرى | أطر واضحة وتطبيق نسبي ومتفاوت | الثالث: المُعرَّف |
| منظومة مؤشرات فاعلة وتقارير منتظمة | أطر مطبّقة وأداء يُقاس ويُتابع | الرابع: المُدار |
| الجهة تُقيّم نفسها وتُراجع ممارساتها دورياً | تحسين مستمر مبني على بيانات وتغذية راجعة | الخامس: المُحسَّن |
معظم الجهات الحكومية التي نعمل معها تتراوح بين المستوى الثاني والثالث، وهذا يعني وجود فرصة كبيرة لتحسين يمكن تحقيقها في فترة زمنية معقولة بشرط وجود إرادة قيادية حقيقية.
خارطة الطريق العملية: من أين تبدأ؟
- التشخيص الموضوعي أولاً: لا تبدأ بإصدار السياسات أو إنشاء الوحدات، ابدأ بفهم الواقع عبر تقييم نضج الحوكمة لتحديد نقاط القوة والفجوات الأولى بالمعالجة.
- ابنِ من القمة: الحوكمة التي لا تُؤمن بها القيادة لن تُطبّقها الجهة، في المرحلة الأولى تستلزم العمل المكثف مع القيادة العليا لبناء القناعة وتحديد الطموح.
- ابدأ بالمجالات عالية الأثر: لا تحاول إصلاح كل شيء دفعةً واحدة، حدد المجالات التي يُشكّل ضعف الحوكمة فيها خطراً فعلياً على الأداء وابدأ منها.
- اجعل الحوكمة مرئية: مؤشرات الأداء ونتائج التدقيق التي لا تصل إلى صانعي القرار في شكل قابل للعمل عليه لا قيمة لها، ولوحات القيادة الواضحة تُحوّل البيانات إلى قرارات.
- استثمر في الكفاءات الداخلية: الحوكمة المستدامة تحتاج كفاءات داخلية تحملها، وبرامج تأهيل المدققين ومديري المخاطر استثمار مؤسسي لا ترف تدريبي.
كيف تبني جهتك منظومة حوكمة فعالة لا شكلية؟
الحوكمة الجيدة في الجهات الحكومية ليست باهظة التكلفة، ولا تحتاج عقوداً من الزمن، لكنها تحتاج إرادة حقيقية وتشخيصاً صادقاً وخطوات منهجية تبدأ من القيادة وتصل إلى آخر موظف في المنظومة. تساعد مجموعة طويق للاستشارات الجهات الحكومية السعودية على تشخيص نضج حوكمتها وبناء أطر العمل ومؤشرات الأداء ومنظومة المساءلة بما يتوافق مع متطلبات “أداء” ونزاهة والديوان العام للمحاسبة معاً، ضمن خدمة الحوكمة. والسؤال الذي ندعو كل قيادي في القطاع الحكومي أن يطرحه على نفسه اليوم ليس: هل لدينا وثيقة حوكمة؟ بل: هل الحوكمة تُغيّر فعلاً كيف نتخذ قراراتنا ونُحاسب أنفسنا؟ يمكنك حجز استشارتك المجانية للحصول على تقييم أولي لمستوى نضج الحوكمة في جهتك.
الأسئلة الشائعة حول حوكمة الجهات الحكومية
ما الفرق بين الحوكمة الشكلية والحوكمة الفعلية في الجهات الحكومية؟
الحوكمة الشكلية تتوقف عند إصدار اللوائح وإنشاء الوحدات الرقابية، بينما الحوكمة الفعلية تربط وضوح الصلاحيات بآليات عمل شفافة ومؤشرات أداء ومنظومة مساءلة حقيقية تُحاسب فعلياً على النتائج.
من الجهة المسؤولة عن قياس أداء الجهات الحكومية في السعودية؟
يتولى المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة “أداء” قياس مدى تحقيق الجهات وأهدافها ومبادراتها المرتبطة برؤية 2030 ورضا المستفيدين عن خدماتها، ويرفع تقريره عبر مجلس إدارته إلى رئيس مجلس الوزراء.
ما الفرق بين نزاهة والديوان العام للمحاسبة؟
نزاهة هيئة مكافحة فساد تتولى التحقيق والضبط الجنائي في قضايا الفساد الوظيفي، بينما الديوان العام للمحاسبة جهاز رقابة مالية مستقل يرتبط بالملك ويراجع حسابات الدولة وقوائمها المالية الموحدة، وعمل الجهتين متكامل لا متطابق.
هل تحسنت السعودية فعلياً في مؤشرات مكافحة الفساد؟
نعم، سجلت 59 نقطة من 100 في مؤشر مدركات الفساد لعام 2024 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، واحتلت المركز 38 عالمياً يتقدم 7 مراكز عن العام السابق، وهو ثاني أفضل ترتيب عربي.
ما هي خطوط الدفاع الثلاثة في البيئة الحكومية؟
وحدات العمل التشغيلية كخط أول تملك المخاطر وتديرها يومياً، ووحدة المخاطر والامتثال كخط ثانٍ تضع الأطر وتراقب التطبيق، والتدقيق الداخلي كخط ثالث يقدم تقييماً مستقلاً لمجلس القيادة.
لماذا تفشل بعض مؤشرات الأداء في قياس الأثر الحقيقي؟
لأنها تقيس النشاط لا النتيجة، كعدد الاجتماعات أو الدورات التدريبية، بدلاً من الإجابة على السؤال الجوهري: ماذا تغيّر في الواقع بسبب ما فعلناه؟
كيف تبدأ جهتي رحلة تحسين الحوكمة بشكل عملي؟
تبدأ بتشخيص موضوعي لمستوى النضج المؤسسي الحالي، ثم بناء القناعة مع القيادة العليا، والتركيز على المجالات عالية الأثر أولاً، وهذا ما تساعدك مجموعة طويق للاستشارات على تنفيذه ضمن خدمة الحوكمة.





